جنوب

زائري اللَّيْليّ!

الأربعاء 29/نيسان/2015 - 12:56 ص
بقلم: فتون نعمة
 
عِنْدَما أُودِّعُ نَهاري، وَروحي تُصْبِحُ مُنهكةً، ألْتَجِىءُ إلى بَيْتيَ الوَرَقيّ.

فِيهِ، أُشعِلُ قناديلَ العَتْمةِ، لِأَنْسِجَ على ضَوْءِها قُمْصانَ سَهْرتي، وَأَبْدَأُ بِتَطْريزِ بَلاطِ غُرفتي بِها، كُلَّما أَخْطأتُ،

أُعيدُ رَفْءَ جُرْحِ أوراقيَ البيضاءَ مِنْ جَديدٍ، فَيغدو خَيْطُ سُطورِها المنسوجةُ بحبري، كَما إبرةٍ في ثَوْبِ أَميرةٍ مِنَ القرونِ الماضية!

مَطَرٌ لَيْليٌّ يَدورُ دَوْرَةَ المداراتِ حَوْلَ مَحابري الكُحْليةِ، لِيَنْسَكِبَ فيها.. فَوا خَجَلي مِنْها!... وَكَأَنَّها الفَراشاتُ في رَقْصِها الأخيرِ، تَسْعى لِتعيشَ فَقَطْ لِسُوَيْعَاتٍ، هَدَفُها مُساعدتي في إنهاءِ ما بَدَأْت!

يَسْتَجْمِعُ البَدْرُ شَجاعَتَهُ، وَكَذَوَبانِ الفِضَّةِ، يَنْسَكِبُ أَبْجَدِيَّةً، فَيَمْشي مُمْتَشِقَ الهامَةِ، كَماردٍ مِنْ فانوسِ "علاءُ الدِّين"، يَثْبِتُ وُجودَه، ثُمَّ يُمْسي لا شَيْئًا... لَكِنْ، كُلُّ شَيْءٍ لَهُ أَثَرْ! كَمَا قَطْرةَ النَّدى، بِرِقَّتِها وَعُذوبَتِها، وَالَّتي نَفْرَحُ لِرُؤيَتِها، وَهِيَ تَغْسِلُ جُنونَ الطَّبيعةِ، تَتْرُكُ أَثَرَها فَوْقَ الصَّخْرَةِ، الَّتي تَسْتَقْبِلَها، فَتُنْجِزُ مِقْعَدَها عَلَيْها، وَتَسْتَريح!...ويجيءُ عُمْري ، بَعْدَما كُنْتُ ظَنَنْتُهُ بِأَنَّهُ قَدْ ضاعَ، وَيَتَلَوَّنُ بِلَوْنِ الشَّفَقِ، بِغموضِهِ الجَذَّاب، يُهْديهِ للَّيْلِ، فَيَصيرُ – هُوَ، أَنا – وَيّذوبُ عِشْقاً بَيْنَ يَدَيَّ، مَتى اسْتَدْعَيْتَ قُدُومَهُ! يَحُثُّ خُطاهُ، وَيُسْرِعُ لِمُلاقاتي، قَبْلَ أَنْ أَرْحَلَ، فَأَنا دَقيقَةٌ في مَوْعِدي.

وَمَتى يَأتي، أَفْرَحُ، هُوَ المُبْتَغى، وَهُوَ بَيْتُ القَصيد. أُدْخِلُهُ مَخْدَعي، وأُسْدِلُ ستائري المَخْمَلِيَّة، لأحتفي بِهِ.

كُلُّ السَّكينةِ تَليقُ بِهِ، فَهُوَ كَأَبطالِ الأساطيرِ، لا يَرْغَبُ بالظُّهورِ، إِلاَّ في النِّهاياتِ السَّعيدة.يَقْرَعُ قَلبي كَطُبُولٍ أَفريقيَّةٍ، يَسْتَحِثُّ نَفيرَ أورِدتي، ويأمُرني بالسَّكِينة، وبِالطَّاعَةِ لهُ!

بمعدنِ الصنوجِ، وخيوطِ الشموسِ، ودموعِ الشموعِ، يحوكُ أزياءَ كلامِهِ، وكأنَّ بياضَ مُتَّكَئِهِ، يصبحُ معابرَ للظلالِ، والألوانِ، والمشاهدِ.

هُوَ روحُ الرُّوحِ، فكَيْفَ أَرْفُضُ لَهُ طَلَباً؟ يَغْزِلُ لي ثَوْباَ أنيقاً مِنْ عَتْمِ اللَّيْلِ، ويَبْسِطُ مَشَاعِرَهُ فَوْقَ أريكتي، يَتَداخَلُ بدُخانِ نارجيلتي... حَتَّى هِيَ تَهْتَزُّ وَتَرْقُصُ لَهُ!

كَيْفَ هّذا؟ كَيْفَ الفُكَاكُ مِنْهُ؟ إِنَّهُ كُلّ حَياتي...

أَخافُ عَلَيْهِ، وَأَغارُ مِمَنْ يُحاوِلُ سَرِقَتَهُ مِنّي... وَهُوَ يُدْرِكُ تماماَ شُعوري، يَتَغَنَّجُ، وَيَتَدَلَّلُ، يدنو مِنّي، يَسْتَعْمِرُ أوْراقي، دفاتري، ذِهْني، حالةُ هَذَياني، ويَتحرّر إلاَّ مِنّي!

فَمَرْحَباً بِكَ يا فَرَحاً يَسْكُنني بِإرادتي، ويَذوبُ في خلايا دمي، يَنْثُرُ مِدادَهُ فيها، ويَصبُغها بلونِ بحرٍ شتويٍّ...

يا لَيْتَكَ تَبقى غافياَ فوقَ أوراقي يا قلمي العزيز...

بِكَ أحيا، ولإجْلِكَ أُبَدِّلُ لياقةَ أثوابي الورقِيّة، بِعنايةٍ... فأجملها مَن ارتداكَ، واحتمى بِكَ، وأحفظٌ جميعَ حقوقي، فأنا دائِمة الخَوْفِ، مِنْ أن تنتحرَ اللُّغة، وتموتَ الكَلِمات!

تعليقات Facebook

تعليقات جنوب