جنوب

«حرب الصقيع»: كيف يواجهها أهالي القرى الحدودية جنوباً؟

السبت 01/كانون الأول/2012 - 12:00 ص
السفير
 
استنزفت «حرب الصقيع» الحالية الكثير من صحة جنوبيي القرى الحدودية، من الناقورة إلى مرجعيون، تاركة لديهم غضبا عارما ازاء الدولة ومؤسساتها، ليس بسبب شحَ المازوت والافتقار إلى وسائل التدفئة وحسب، بل لـ «سياسات التفقير والإهمال» من قبل غالبية الوزارات والمؤسسات، حيث كل الدروب تؤدي الى «مطحنة» الفقر، التي بدورها، تؤدي إلى البرد، وعيادات الأطباء والمستشفيات وغياب الضمانات. والنتيجة واحدة إزهاق أي مدخرات لديهم، وتراكم الديون.

صرخة واحدة ممتدة من الناقورة الى جديدة مرجعيون «كل الحق على الدولة ومكوناتها السياسية». أديب، أحد أصحاب الحوانيت في بلدة علما الشعب، يصرخ بأعلى صوته: «مفي شي متل الخلق، مفي مصاري ومفيش شي، كل الحق عالدولة، بس بيعرفونا كل ما بدهن ننتخبهم، ما حدا بيفوت عالمنطقة، لا وزير ولا نائب ولا أي مسؤول»، شاكياً عدم قدرته على شراء المازوت ولجوءه للتدفئة على الغاز لأنه «أوفر بقليل» علماً بأنه يستهلك «كل ثلاثة أيام قارورة غاز ثمنها 22000 ليرة»، ليستمع موافقاً ومتضامناً مع أحد زبائنه من بلدة الظهيرة، عطا أبو ساري الذي قال: «مش قادر على التدفئة، الغالون الواحد بـ 18000»، ليكمل زبون ثالث، من علما بقوله: «المازوت نار... والتحطيب ممنوع»، فيلاقيهم زبون آخر أيضاً من علما: «سجل... ما شفنا الزّفت بين الناقورة والظهيرة من سنة 1960». ويصرّ كامل الجمال، وهو سائق تاكسي من بلدة عيناتا، على ربط قضية التدفئة بمجمل الوضع الاقتصادي في المنطقة قائلاً: «ما فيه شي مليح بالمنطقة... دولة وزعماء عاطلون عن العمل، فش واحد بيطلع عالتلفزيون وبيحكي عن الوضع الاقتصادي، الشكاوى طالعة نازلة من كل الناس، العالم قاعدة لا شغلة ولا عملة 4 5 أشهر».

المشهد نفسه تكرر مع قاسم درويش صاحب محطة محروقات في بلدة الظهيرة، الذي يتدفأ مع عائلته على الغاز والكهرباء، في حين لا يبيع المازوت على محطته، بسبب انعدام قدرته الشرائية. وعاد ليتكرر مع قصة جاك الحاج، العامل على محطة «الحكيم» في عين إبل. يسارع جاك ممازحاً: «لا علاقة لاسم المحطة بالسياسي الذي يحمل هذا اللقب». لقد دفع العوز جاك الى «تضمين المحطة لشخص آخر والعمل عليها بالفاعل». تنضم زوجته نهى، محتجة: «ما فيه دفا وكل الحق عالدولة». وعلى المحطة نفسها يصادف وجود ابن بلدة بيت ليف، فياض حمّود، العائد من أستراليا ليستقر في أحضان وطنه الأمّ، فينضمّ الى المشتكين: «أنا مش مع أي حزب من الأحزاب...كلنا سوا عم نعاني من هالدولة»، متسائلاً: «كيف ممكن دولة تمنع التحطيب حفاظاً على البيئة، وهي غير عادلة، لا كهرباء ولا مازوت ولا أي اهتمام بالمواطن».

وتناغم أصحاب المصالح الصغرى والزبائن يتكرر في محل الأدوات الكهربائية في جديدة مرجعيون، لصاحبه ظاهر ماضي، يقول: «ما بولع الدفاية في الصباح»، ثم يفتح دفتره مؤكداً: «مع ذلك كلفتني هذه التدفئة بمفردي حتى الآن 1277000 ليرة»، وبينما هو ماضٍ في مهاجمة الزعماء السياسيين «على أنواعهم» يقاطعه زبون: «اعطينا حرامي»، فيجيبه ظاهر متندراً «روح عالبرلمان جيبو!». وفي قرى وبلدات خط الدفاع الأول عن الوطن، يلجأ العديدون إلى التدفئة على «جفت» الزيتون، كما هو الأمر مع الكثيرين من أهالي بلدة عيتا الشعب، في حين لا يجد آخرون حيلة للتدفئة سوى بزيت الآليات المحروق وما تيسر من فضلات بلاستيكية كالقناني الفارغة وغيرها، ومنهم من يلجأ الى حرق الجزامي والثياب العتيقة. الطبيب د. محمد خريزات، يؤكد بأن زوار عيادته في بلدة عيترون تضاعف في الشتاء الحالي «بسبب الكريب، والرشوحات الناجمة عن شدة الصقيع». وعن استخدام البلاستيك والأحذية والزيت المحروق يقول: «تتسبب بزيادة الالتهابات في مجاري التنفس وصولاً إلى حالات الاختناق، ناهيك عن أضرارها البيئية الأخرى». أما المزارع محمد رجا الزامل، من بلدة يارين، فيقول: «العالم ما معها حق حطب، وبترهن الأرض منشان تعيش»، ويلفت زميله حسن مرعي الغريب، أنه لا يستطيع إدخال المازوت إلى منزله. وتضيف زوجته أنه أمضى فصل الشتاء مريضاً بسبب قلة التدفئة.

لكن مأساة الجنوبيين مع الصقيع تجلّت في أسطع صورها من خلال تعامل المواطن نسيم بلاغي من بلدة راميا، وأسرته المكونة منه وزوجته وثمانية أولاد، مع التدفئة، تراه أمام منزله ينظف قساطل المدفأة. يقول: «والله شغالة عالجزامي والثياب العتيقة». وما أن تسأله عن العواقب الصحية، يتناول كيسين بلاستيك مليئان ويفرغ منهما كمية كبيرة من مختلف الأدوية، على طاولة الى جانبه.

ويعرب كل من جاك الحاج وصاحب محطة محروقات آخر في عيترون خالد مراد، عن أسفهما وخجلهما إزّاء زبائن يأتون الى محطتيهما لشراء المازوت بخمسة آلاف ليرة لا أكثر، أي ما يكفي لإشعال المدفأة لبضة ساعات! أو لدى طلب زيت الموتورات المحروق، مجاناً! بينما يخبر عماد جابر (مهندس معماري) من بنت جبيل، كيف أن 70 في المئة من سكان المدينة باتوا يتدفأون على الحطب لأنهم لا يستطيعون شراء المازوت، وكيف شاهد بنفسه «أكثر من خمسين شخصاً يدورون على ورشات البناء لتجميع بعض القطع الخشبية المتبقية من وراء البنائين كي يوقدوا بها مدافئهم»، ويأسف لأن الأهالي «يفضلون قطع الأشجار المعمرة كالسنديان من أمام منازلهم وفي كرومهم بدل القيام بالاحتجاجات الجماهيرية».

وفي حولا، تقول بداية سليمان، وهي مدرسة ومديرة «نادي شباب الغد»، إن جدتها تتدفأ على صناديق الكرتون والورق الذي تجمعه من هنا وهناك، مؤكدة ضرورة تحمل المواطنين، بالإضافة الى الدولة، مسؤلياتهم، سواء بالاحتجاج أو بتنظيم حملات التشجير أو بمحاربة الرشى الانتخابية، مؤكدة أن العديد من المواطنين يتدفأون «على فضلات البلاستك والجزامي، ممتنعة عن تسمية إحدى نساء المنطقة المعروفة ببدء جمعها هذه الفضلات منذ فصل الصيف».

التهم والشكاوى نفسها موجهة إلى «الدولة»، على كل لسان، من ربّة المنزل م. خ. من بلدة عين إبل، والمدرسة ل. ع. من بلدة عيترون، والمزارع ا.ح. من بلدة دير ميماس، والمدرّس م. ع. من بلدة الخيام، مع فارق بسيط، هو الاعتراض على تسمية «الدولة اللبنانية»، إذ توصف حيناً بـ «المسخرة»، وحيناً آخر بـ «المزرعة»، أو بـ «المافيا»، وأحياناً بـ «العصابة».

تعليقات Facebook

تعليقات جنوب